{ جدلية العلاقة بين المثقف والفقيه}
للمفكر الكردي الإسلامي الشهيد الدكتور محمد معشوق الخزنوي وهي عبارة عن محاضرة ألقاها الراحل الكبير في قاعة المحاضرات بمركز الدراسات الإسلامية في العاصمة دمشق بتاريخ 30/8/2004

 


مقدمة في نقد الفقيه للمثقف وسبل التلاقي
كما أن للمثقف ملاحظات على منهجية وحركة الفقيه، فإن الآخر أيضاً له مجموعة من الملاحظات يمكن حصرها في ثلاث:
1 ـ الخوض في مفردات الثقافة الدينية بلا أساس فقهي:
إن الثقافة ليست محرمة على أحد في كل صورها بما فيها ثقافة الدين، ولا يحق لأحد مهما كان تخصصه أن يمنع غيره من التخصص والبحث، فالفقيه مثلاً ليس من صلاحياته فرض قوانين على الناس كي لا يتعاملوا مع الثقافة الدينية مكتفين بقوله هو، وكذلك الفيلسوف وعالم الاجتماع وما إلى ذلك. لكن من حق هؤلاء أن يرفضوا العبثية في التخصصات، ويطالبوا كل راغب للإثارة أو التحقيق أن يتشبع بالأسس الخاصة بكل علم قبل الخوض فيه.
ومن هذا المنطلق تنشأ ملاحظة الفقيه على بعض الأعمال الثقافية ـ كما هو دأب كل أصحاب التخصصات ـ ، فالإثارات والانتقادات إذا صدرت من متخصص يأخذها الفقيه بعين القبول والرضا، ولا يجد في ذلك بأساً بتاتاً، أما إذا جاءت من غير المتخصص فإنه يتحفظ عليها، غذ لا يعقل أن يناقش المثقف مسألة من أعقد المسائل الدينية الحرجة من وجهة فقهية وهو لم يدرس الفقه، أو يتعرض لمسألة تتطلب تحريراً أصولياً عميقاً ويبت فيها هو لم يدرس الأصول.
هذه ملاحظة هامة تصوب باتجاه المثقف بالذات في عصر الانفتاح الثقافي، والفقيه يقف هنا مطالباً ـ لا بحكم كونه وصياً بل لكونه متخصصاً ـ كل مَن يناقش قضايا الدين، بتعلم أسس الدين وأصوله بكل تواضع ورحابة صدر قبل الخوض في تفاصيله.
وبالطبع إن هذا الحق الذي نراه للفقيه، لا يسمح له بتهميش الآخرين وتجاهلهم معتقداً بأنه الوحيد القادر على بحث المسائل الدينية، وأن كل ما تنتجه الساحة ما هو إلا كلام فارغ. إن هذا المنطق خاطئ، ففي الساحة رجال مؤهلون ومتنورون ولا شك إن مساهماتهم الثقافية إذا ابتنت على أسس مباني علمية سليمة ستؤدي إلى إثراء الثقافة الدينية، وهذا ما يطمح إليه كل فقيه ومثقف.
2 ـ التحصن في دوائر خاصة وتناسي المجتمع:
مما يأخذه الفقيه على المثقف، اقتصار الأخير على مجموعة الطروحات النظرية في ملتقيات ثقافية لا تتسع إلا له ولأمثاله، وكأن الحياة كلها تتلخص في مراجعة الكتب ومتابعة الأحداث والإثارات الثقافية، متناسياً المجتمع وما يحمله من هموم ونواقص.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل يتطور إلى أكثر من ذلك حيث يؤدي إلى شراسة في النظر إلى المجتمع. فحيث يرى المثقف في نفسه أنه على مستوى عال من الاطلاع والتفهم، وتراه في بعض الأحيان يقلل من قيمة المجتمع وينظر إلى أفراده على أنهم بسطاء متخلفون هامشيون، مما يدفعه إلى الابتعاد عنهم ومجانبتهم كيلا يتأثر تراكمه المعرفي، ولهذا فإنه لا يجالس إلا أهل جنسه. متناسياً بأن من أهم مسؤوليات المثقفين إنهاض المجتمع لا الاعتزال عنه.
ولا شك أن هذا المنهج يوقع المثقف في مطب كبير وهو التوجه النظري البحت في التخطيط. وهذا تماماً ما يلحظه الفقيه على المثقف، حيث إن نظراته الاجتماعية وتخطيطه لا يمت للواقع بصلة وإنما هو وليد الكتاب، في حين أن العمل الاجتماعي ينبغي أن يكون قائماً على التجربة قبل كل شيء، لأن الكثير من منافذ المجتمع ونواقصه وطريقة تحريكه لا يمكن أن تتضح للإنسان إلا بعد خوضه للعديد من التجارب الاجتماعية. ولعل قسماً كبيراً مما أسقط على المجتمع من أفكار ومشاريع وانتهى به المطاف إلى الفشل كان من هذا النوع، فهو إما وليد تجارب اجتماعية أخرى أو مستمد من كتب، ولهذا فقد كان غريباً عن روح المجتمع.
طبعاً هذا الإشكال ينسحب على الفقيه أيضاً، فكما أن المثقف مطالب بالنزول إلى المجتمع وبلورة أفكاره على أساس الحاجة الاجتماعية، كذلك الفقيه حيث أن مساحة كبرى من اهتماماته لا يمكن أن تأتي على وجهها الصحيح إلا إذا عاصر المجتمع وعرف عن قرب طبيعة احتياجاته على اعتبار أنه مصلح والإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون غريباً.
3 ـ الهروب من تقليد إلى تقليد آخر:
حين يطرح المثقف شعار الإبداع في الفكر والذي يعني موازاة ثقافة الفقيه، فإن هذا المنهج يفترض فيه أن يأتي بطرح علمي جديد غير قائم على التقليد، إلا أن الحقيقة غير ذلك تماماً، حيث تجد المثقف المتمرد على الفقيه أضحى تلميذاً ومقلداً لغيره وربما بشكل أكبر مما كان عليه في السابق. ولعل مرد ذلك إلى الانبهار بالغير وهو الفكر الوافد، أو لقصور في القريب وهو المتمثل في أطروحة الفقيه الثقافية. لكن على كل حال إن الهروب من فكر لا يعني إسقاط فكر آخر على الذات وبالتالي على المجتمع.

تلك كانت مجموعة ملاحظات يوجهها كل طرف إلى الآخر، ولا شك أن لكل منهما ردوداً عليها.
وهذا ما نسعى إلى كشف اللثام عنه :

جدلية العلاقة بين المثقف الفقيه
مدخل

نحن هنا بصدد تحديد هوية المثقف الديني من الناحية البنيوية. كما اننا بصدد دراسة واقع المثقف والفقيه رغم الالتباس الحاصل بينهما احياناً. ولاجل ذلك نحن بحاجة الى منهج مناسب للبحث يتم فيه تبرير ما نكونه من مفهوم خاص عن العقل المثقف الديني وتمايزه عن نظيره الفقيه. فما هو هذا المنهج؟ وما هو مفهوم كل من العقلين المتأسسين عليه؟
سننحو بداية الى تحديد طبيعة المثقف الديني من الناحية المعرفية وتمييزه عن الفقيه من خلال اعتماد المنهج الكيفي الشائع استخدامه في العلوم الاجتماعية، وهو الذي يقابل ما يطلق عليه منهج الاحصاء الكمي. ولكلٍّ خواصه ومزاياه. ورغم اهمية الاحصاء في تشكيل تصوراتنا عما يجري في الواقع الموضوعي؛ الا انه اذا اقتصرنا عليه فسوف لا يغنينا عن معرفة طبائع الاشياء وبلورة ماهياتها واسبابها.
كما لا ينفعنا تحديد ما نريده من خلال مبدأ: تعرف الاشياء باضدادها، وذلك لان الضدية الحاصلة بين العقل الثقافي والعقل الفقهي هي ليست ضدية تامة ومطلقة، فالمثقف يمكن ان يكون في الوقت نفسه فقيهاً، وكذا العكس صحيح ايضاً.

واذا اردنا ان نوظف هذا المنهج في دراستنا لكل من المثقف الديني والفقيه من الزاوية المعرفية الصرفة؛ نرى ان من الواجب فهم كل منهما بانه عبارة عن كائن صوري يتصف بنوع من النمذجة والمثالية، حيث نجرده من مختلف الملابسات التي تتداخل معه في الواقع، اي اننا نصنع منه ماهية محددة، وذلك بعد دراسة الحالات المختلفة والمقارنة بينها، فنستلهم من ذلك ما يحمله من عناصر اساسية عليها تتشكل ظاهرة ما نطلق عليه الثقافة، وكذا الفقاهة. وهو مفهوم مجرد يتصف بنصاعة الصورة ووضوحها.
فمع ان الواقع يشهد حالات متفاوتة ومختلفة للمثقف - وكذا الفقيه - فتارة نرى ازدياداً في الحالة الثقافية، واخرى نرى انخفاضاً فيها، وكذا فان الثقافة قد تختلط بغيرها من الممارسات الذهنية والسلوكية الاخرى، فتتداخل معها المواقف السياسية تارة، وتؤطر بها الممارسات الاجتماعية تارة ثانية، كما قد تندفع ضمن صور ايديولوجية مختلفة؛ كإن تشكل اطاراً فوقياً لطبقة اجتماعية معينة او غير ذلك من ملابسات الحالات الاجتماعية للثقافة
فمن حيث الاساس يلاحظ ان المفهوم الذي يراد له التأسيس هو مفهوم مستمد من العلم والمعرفة لا غير. فالفقه والثقافة كلاهما من العلوم والمعارف، ومن ثم لا يمكن افراغ الفقيه ولا المثقف من جوهر العملية المعرفية، والا كان فاقداً للمعنى. مع هذا يلاحظ ان معارف الفقيه وعلومه وكذا النتائج التي ينتهي اليها هي في الغالب تختلف عن تلك التي لدى المثقف. الامر الذي يساعدنا على تحديد هوية كل منهما واهمال ما قد يتداخل معها من ظواهر اخرى عارضة.
وتبعاً للمنهج الكيفي فانه لا يمتنع ان يحصل تداخل بين الثقافة والفقه على ارض الواقع فيلبس الفقيه عباءة المثقف، والمثقف عباءة الفقيه، وبالتالي نتحدث عن الفقيه المثقف والمثقف الفقيه. مع هذا وبحسب المنهج ذاته فان من الممكن اهمال هذا التداخل في تحديد الهوية والمفهوم لكل منهما، طالما ان الغرض هو تحديد الماهية وليس الواقع بكل ما يحمله من ملابسات وشوائب.
وواقع الامر ان تحديد هوية كل من المثقف الديني والفقيه يعتمد على تشخيص الوظيفة المعرفية لكل منهما، وان هذه الوظيفة تتشكل بحسب ما لدى كل منهما من مرتكزات معرفية، وبالتالي فان تحديد الهوية انما هو نتاج تعيين هذه المرتكزات. وسنلاحظ ان هناك اختلافاً تاماً حول طبيعة هذه المرتكزات بينهما. فما يتحكم بالحالات الثقافية من مولدات معرفية هو غير ذلك الذي يتحكم بالحالات الفقهية، حيث لكل منهما مشغلاته الخاصة بالتوليد والانتاج، وهو امر يجعل لكل منهما بنية خاصة تختلف عن الاخرى، بل وتتقاطع معها على صعيد المفهوم، وإن أمكن التداخل بينهما على ارض الواقع احياناً. وبالتالي فان الصورة المفهومية المنتزعة لا تبدي بالضرورة جميع ما لدى الواقع من تفاصيل وشؤون بما في ذلك تقلّب بعض حالات الظاهرة او تداخلها مع نظيرتها التي تخالفها في المفهوم.
ولعل المثال الذي نضربه الان يوضح هذه الصورة المعطاة. فمثلاً باستطاعتنا ان نتحدث عن مفهوم محدد للانسان القروي وتمييزه عن نظيره المديني، فنرسم لكل منهما مواصفاته الخاصة التي تبدي الكثير من التضاد في الشخصية والخصال العامة. لكننا من جهة الواقع قد لا نجد القدر ذاته الذي صورناه من الابعاد والتضاد بينهما، كما قد يبدو لنا ان بعض القرويين يحملون صفات تعود الى الانسان المديني او العكس، كما قد يبدو ان هناك الكثير ممن يحمل صفات مزدوجة، سواء كانوا مدينيين ام قرويين. ومع هذا فان ذلك لا يشكل عقبة في تأسيس المفهوم او النمط الخاص بكل منهما. فنحن على قناعة بان ملابسات الواقع وعدم تطابقه مع المفهوم المهذب لدى الذهن لا ينافي حقيقة الهوية التي يتضمنها هذا المفهوم.

وفي جميع الاحوال اجد من المبرر تماماً - بعد ما سلف من توضيح - ان نكوّن لكل من المثقف الديني والفقيه مفهومه الخاص المنتزع مما هو عليه في الواقع.
على انّا ندرك بأن تكوين مفهوم خاص عن العقل الفقيه هو ليس بمعضلة؛ لعلمنا بمصادر معرفته وكيفية تشغيله وتوظيفه لها في التوليد والانتاج المعرفي. فهي صورة تجد لها تأييداً كبيراً مما يحفل به التاريخ الطويل للفقه والفقهاء. كما انها معلنة وممنهجة بشكل جلي بلا لبس ولا غموض. لكن ذلك يختلف عما نجده لدى المثقف الديني رغم المنافسة المعرفية التي يقيمها مع الاول. فلكونه في الغالب غير مختص في العلوم الدينية فان ذلك يجعله لا يمتلك المنهجة الواضحة او المحددة مقارنة بنظيره الفقيه. وبالتالي ليس هناك تحديد مسبق او معلن لمصادر معرفته وكيفية توليده المعرفي. كما لا يوجد اتفاق عام في المسالك المعرفية بين المثقفين الدينيين كالذي نجده بين الفقهاء عادة. وبعبارة اخرى لا توجد روابط معرفية مشتركة تتأسس عليها التنمية العلمية بين المثقفين مثلما هو حاصل بين الفقهاء؛ حيث المشترك الذي يجمعهم معرفياً هو الارتباط التام بمضامين الكتاب والسنة، ولولا هذا الاساس ما كان لهم ان يكونوا فقهاء. اذن فالتيار الثقافي هو اقرب معرفياً الى التيار الفردي منه الى الجماعي. او انه اقرب الى اللامنتمي منه الى المنتمي. لكن علينا الاخذ بعين الاعتبار ان تاريخ ظهور المثقف كحالة بارزة ومؤثرة في الحياة العامة لا يمكن ان يقاس بالتاريخ الطويل للفقيه. فهو حديث النشأة وإن أخذ بالاتساع والانتشار بفضل التطورات الحديثة المتسارعة.
مهما يكن فقد تكون الصورة المنتزعة عن الواقع للمثقف ليست واضحة مثلما هي الحال عن الفقيه. ذلك ان الصورة المنتزعة عن هذا الاخير ينشأ اغلبها مما يقدمه هذا الفقيه بنفسه، اي انه ينشأ عبر دلالة الموضوع الخارجي مباشرة، طالما ان الفقيه يعلن بحق مصادر معرفته وطريقة تلقيه لهذه المعرفة ومنهجه في الفهم والانتاج، الامر الذي يتضاءل فيه الدور العقلي لرسم الصورة التي تخصه بالقياس مع الدور المقدم بصدد المثقف. فليست هناك صورة جاهزة يمكن انتزاعها مباشرة عن الموضوع الخارجي للعقل المثقف، اذ لا توجد مصادر معلنة ومتفق عليها للمعرفة، ولا طريقة ممنهجة توضح كيفية التوليد والانتاج المعرفي. وبالتالي ليس هناك ما يمكن ان يعيننا في كشف الصورة او المفهوم المعطى للمثقف غير التحليل العقلي، وذلك بعد متابعة النظر والمقارنة بين الحالات الثقافية المختلفة. فرسم الصورة المعبرة عن البنية المعرفية للمثقف تستمد مشروعيتها من الدور الأساس الذي يمارسه العقل في التحليل والاستجلاء بعد الانتهاء من عملية رصد الفعاليات المعرفية التي يؤديها هذا العنصر الفاعل.
هكذا قلنا انه ليس من الصعب تحديد هوية الفقيه - وغيره من اختصاصيي النزعة البيانية - من الناحية الابستمولوجية. فالفقيه يرتبط ارتباطاً لزومياً بالنص، ولولا هذا الاخير ما كان للفقيه من وجود ولا اعتبار، اذ ان نشأة الفقيه وتحديد هويته كلاهما مستمد من النص ذاته، والامر واضح باعتبارين: اولهما ما عليه الواقع، وهو ان جميع الفقهاء ملزمون من الناحية المعرفية بالارتباط بالنص نهجاً. فالذي لا يرتبط بالنص لا يمكن ان يحظى بصفة الفقاهة. اما الاخر فهو ان هذا الارتباط المعرفي معلن لدى الفقهاء صراحة، فالنص لديهم هو المصدر الاساس في البناء والتقويم، وبالتالي ليس هناك من مصدر اخر يضاهيه. لكن اذا كان من السهل علينا ان ننتزع بنية معرفية عامة للفقيه اعتماداً على الارتباط المعرفي بالنص؛ فان الامر مختلف مع المثقف تماماً، ذلك ان بناءه المعرفي ليس ملزماً بالارتباط الاساس بالنص مثلما هو عمل الفقيه، كما ان هويته المعرفية غير معلن عنها صراحة. وبالتالي فلأجل تحديد بنيته المعرفية كان علينا ان ننظر في مضامين ما يقدمه من طروحات واشكاليات وحلول ومن ثم نجتهد في اقتناص ما نعدّه بنية له. ورغم ما نجده لدى المثقفين من ابنية فكرية مختلفة تزخر بالتناقضات الحادة، ورغم ان فيهم حالات متفاوتة من حيث القرب والبعد عن التكوين المعرفي للفقيه، لكن مع هذا نجد ان هناك ميلاً يكاد يكون عاماً لدى المثقفين؛ يمكن من خلاله انتزاع البنية المعرفية للمثقف تبعاً للنهج الكيفي، والتي هي حصيلة ما لديه من مرتكزات معرفية وخصائص متولدة عنها.
فما هي هذه المرتكزات؟ وما هي تلك الخصائص المتولدة عنها؟ يتبع ............
 

المقالات المنشورة تعبر فقط عن وجهة نظر أصحابها