0

 

ثقافة العبودية ....تحية إلى آلاف العوائل العربية .

 

سليم عمر

*
لأول مرة أسمع ، أو بالأحرى أقرأ ، أن شخصا أو فئة أو شعبا ، يتقدم بالتحية و بالشكر إلى جهة مارست بحقه الاضطهاد أو القمع ، أو الاستغلال ، أو نهب الثروات ، إذ أن من المألوف أن تعتذر الأنظمة عن نفسها ، أو نيابة عن أفرادها ، عن ممارسات ، أو انتهاكات أقدمت عليها بحق الآخرين ، و تسببت بإيذائهم في الأرواح أو الممتلكات أو المعنويات ، فلقد اعتذر الألمان عن المحرقة النازية بحق اليهود إبان الحكم النازي ، و اعتذرت هولندا عن مذبحة سربينتشا ، لأن جنودها لم يفعلوا وسعهم للحيلولة دون وقوعها ، و تجد تركيا نفسها أمام ضغط دولي ، للاعتراف بمذابح الأرمن و البلغار إبان الإمبراطورية العثمانية ، و عليها أن تعتذر للكرد أيضا ، فجرائمها بحق هذا الشعب لا تقل بشاعة عما ألحقته بالشعوب الأخرى .
هذا هو المنطق السائد في عالمنا المعاصر ،و هذا ما يجب أن ترسو عليه العلاقة بين الشعوب ، أن تعتذر لبعضها عن ماضيها و عن حاضرها الاستعماري ، و عما ألحقته بالشعوب الأخرى من مظالم و ممارسات جائرة ، حتى تتمكن من بناء علاقات جديدة على أسس سليمة ، لا أن نتقدم بالتحية و الشكر إلى العوائل العربية المغادرة كركوك ، و التي أذعنت إلى الحق ، و قبلت أخيرا ، بالتعويض مقابل عودتها إلى الأماكن التي قدمت منها ، و لو أن هذه العودة لم تتم بعد ، إلا أن السيد الدكتور بدرخان السندي ، لم يصبر حتى ترسو الأمور على الوضع الذي يجب أن ترسو عليه ، و تعود الحقوق إلى أصحابها ، و تعود الأمور إلى نصابها ، فاختزل مأساة كركوك ، و مشروع النظام البائد في تعريب هذه المدينة ، و ما تعرض له أهلوها الأصليون من مظالم و انتهاكات تمثلت في التهجير القسري ، و سلب الممتلكات ، و التشرد في المنافي ، و حياة الفقر و البؤس التي خيمت على من تمكن منهم من البقاء طوال هذه العقود ، التي تجاوزت الثلاثة ، و التي لم نسمع خلالها أن جمعا أو مجموع هذه العائلات تحرك منها الضمير ، و أظهرت تعاطفا مع مأساة أبناء هذه المدينة ، و أبدت من النوايا ما دلت على أنها مرغمة على السكنى ، و أنه لولا بطش النظام لكان لها موقف آخر ، كما يذهب إلى ذلك السيد الدكتور بدرخان السندي ، و حتى لو سلمنا بهذه المقولة ، و بأن هذه العوائل أرغمت على القدوم ، و على البقاء ، فماذا نقول عن الفرصة التي أتيحت لها مع سقوط النظام قبل سنوات أربع ؟ و لماذا امتنعت عن إبداء موقف حضاري و إنساني ، تكفر به عن العذاب الجسدي و النفسي الذي ألحقته بأهل كركوك ، و قد استولت على ممتلكاتهم ، و نعمت بثرواتهم ، و ذلك بالإعلان عن استعدادها للعودة طواعية إلى المواطن التي قدمت منها ، و حتى تأتي مواقفها أكثر قبولا ، فقد كان عليها أن تعتذر أيضا عن كل الممارسات الجائرة التي لحقت بأولئك الأهلين .
إلا أن هذه العوائل التي تم تقديم التحية إليها ، لم تبادر إلى كل ذلك ، و لم تغتنم الفرصة ، و عوضا عن ذلك فإنها عارضت بشدة مبدأ العودة ، و أبدت حرصها على البقاء ، و الإبقاء على الوضع المجحف ، و التمسك بالغنائم التي استحوذت عليها دون حق ، و ذهبت أبعد من ذلك فاتهمت القيادة السياسية الكردية ، بتصفية القوميات الأخرى ، و مدت يدها إلى الداخل و إلى الخارج بهدف تعطيل المادة 140 من الدستور العراقي ، و عندما تكسرت محاولاتها أمام الإصرار الكردي على الثوابت ، و إحقاق الحق ، أذعنت ، فبادرنا إلى تحيتها ، و إلى تقديرها على العودة الطوعية لها ، وبذلك فقد قدمنا سابقة في تاريخ العلاقة بين الشعوب ، و هو موقف لا يبدو أنه مفهوم أو أنه مقبول إلا من خلال ثقافة العبودية التي نخرت منا العظام ، هذه الثقافة التي قد نحتاج إلى وقت ليس بالقصير حتى نتحرر منها ، و التي بسببها فقط يمكن أن نفسر مثل هذه المواقف التي تصدر منا ،و ذلك :
1 – إن حياة العبودية التي خيمت على المجتمع الكردي ، و التي امتدت على مدى قرون متواصلة ، قد قلّبت لدينا المفاهيم ، إلى الحد الذي أخذنا نعتبر فيه أن عودة أو إعادة الحقوق ، أو بعضا منها منّة أو منحة أو هبة تستوجب منا التحية و الشكران .
2 – إن البعض منا تخلّف عن مواكبة الأحداث ، و لم يتمثل بعد ، حجم التغيير الحاصل في الوضع الكردي ، و بروز الكرد في المنطقة كقوة لا يمكن تجاوزها أو التعامي عنها ، إلى جانب التطورات الحاصلة في الساحة السياسية الدولية ، و الثقافة الجديدة السائدة في عالمنا المعاصر ، في أعقاب مرحلة الحرب الباردة ، و لذلك فإن هذا البعض ، لا يزال يتناول قضايانا بمنطق و عقلية عهود البغي ، و التسلط ، و نكران الخصوصية القومية ، و ثقافة العبودية و الاستجداء التي عمل المستعمرون على تكريسها في المجتمع الكردي .
و من أجل ذلك كله ، بادرنا إلى تحية العوائل العربية المغادرة كركوك ، و لو أن هذه التحية ، و هذه المبادرة صدرت عن كاتب عبر عن رأي فردي ، لكان الوقع أقل أثرا ، أما أن تأتي معبرة عن مؤسسة إعلامية لها مكانتها ، و لها موقعها ، و لها دورها الرائد في التاريخ النضالي للحركة القومية الكردية ( جريدة التآخي ) فهذا مما يضاعف الأسف و المحنة ، و قد كان حريا بنا أن نقدم التحية إلى شهدائنا الذين أجهضوا المشروع العنصري في القضاء على الوجود القومي الكردي في كردستان عموما ، و في كركوك على وجه الخصوص ، أن نحيي البارزاني الخالد الذي اعتبر كركوك قلب كردستان ، و ضحى بثورة أيلول و مكاسبها من أجلها ، أن نحي القيادة السياسية الكردية على مواقفها الحكيمة والشجاعة ، في تعاطيها مع الأحداث ، و على تمسكها بالثوابت القومية ، أن نحيي أولئك الذين أظهروا من التعاون ، و من الدعم ما يكفي ، لتعود الحقوق إلى أهلها .


* كاتب كردي .

 

0
0